يومية

مارس 2010
الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
 << < > >>
1234567
891011121314
15161718192021
22232425262728
293031    

إعلان

من على الخط؟

عضو: 0
زائر: 1

rss رخصة النشر (Syndication)

صندوق الحفظ

25 نوفمبر 2008 - 10.51:45
الفلاح الفصيح
 قصة الفلاح الفصيح الفرعونية
رضا سليمان
------------------------ 
حدثت هذه
القصة فى عهد الملك خيتى ، وهو أحد ملوك هيراكليوبوليس مدينة أهناس الحالية ، وكان ذلك فى نهاية الألف الثالثة قبل الميلاد ..وقد أطلق العلماء عليها اسم الفلاح الفصيح مجازا بدلا من اسم ساكلن الحقل  حيث كان يسكن البطل فى حقل الملح ، فى وادى النطرون حاليا ، والعهد الأهناسى الذى حدثت فيه هذه القصة عهد سادت فيه الفوضى وعم الاضطراب والاضطهاد ..وقد وصلت هذه القصة على أربع نسخ من أوراق البردى وعُنى بترجمتها الألمانى فوجلزانج .وتبدأ الأحداث هناك فى حقل الملح حيث يسكن الفلاح خنوم أنوب الذى وقف يتحدث إلى زوجته قائلا ..
-         انظري يا زوجتى الغالية .. إننى ذاهب إلى مدينة الفرعون لأحضر منها طعاما  فاذهبى الأن وكيلى لى القمح الذى فى الجرن وابقى عشرين مكيالا لتكون طعاما لك ولأطفالك ، واصنعى لى ستة مكاييل آخذها معى للأيام التى سأكون فيها على سفر .

حمّل الفلاح حميره بالملح والقمح والخيزران وجلود الفهد وفرو الذئاب وسافر حتى وصل أطراف مدينة " مدينت " أطفيح الحالية ..
هناك شاهد رجلا واقفا على شاطئ النهر يدعى " تحوت نخت ابن آسرى " وهو من مستخدمى  " رنزى ابن مرو " المدير العظيم للفرعون " نيكاو رع " ..حينما رأى تحوت نخت هذا هذا الفلاح وحميره المحملة أخذته جوانب الطمع ووقف يقول :
- حمير محملة بالعديد من الأمتعة والبضائع .. ليت لدى وسيلة تمكنى من سرقة بضائع هذا الفلاح .

واتفق أن بيت تحوت نخت كان على ممر ضيق بجانب النهر ، وكان جانب هذا الممر مغطى بالماء والجانب الآخر مغطى بالقمح ، وهنا بدأ تحوت نخت يفكر فى حيلة ، فأتى بقطعة نسيج ووضعها على الممر الضيق بحيث جعل طرفها على الماء وطرفها الآخر على سيقان القمح وانتظر حتى جاء الفلاح ليمر على هذا الطريق العام ، وما أن اقترب الفلاح حتى صاح تحوت نخت :
-         احترس أيها الفلاح . . أتريد أن تطأ ملابسى ؟!
-         سأفعل ما تريده يا سيدى ولن أطأ ملابسك وسوف أمر من هذا الجانب .
-         ما هذا يا رجل ؟ ! أتريد أن تجعل من قمحى ممرا ؟!
-         يا سيدى .. إن الجسر عال وطريقنا الوحيد هو هذا الممر ، ومع ذلك فأنت تجعل ملابسك عقبة فى طريقنا ..
-         أه .. ما هذا ؟-         ماذا يا سيدى .. ماذا حدث ؟
-         إن حمارك مال على قمحى وأكل منه .. وسوف آخذ حمارك أيها الفلاح لأنه أكل قمحى ..
-         الحمار لم يأخذ سوى قبضة واحدة من القمح .. أنا أحضر حمارى لأنه قوى ويتحمل وأنت تريد أن تغتصبه منى لأنه ملأ فمه بحزمة من القمح .-         نعم سوف آخذه مقابل جرمه ..
-         إنى أعرف صاحب هذه الضيعة فهى ملك المدير العظيم لقصر الفرعون نيكاورع ، وهو الذى سوف يكبح جماح كل لص فى كل هذه البلاد .. إنه لن يرضى أبدا أن أسرق فى ضيعته .
-         افعل ما تريد واعلم أننى أنا الذى أتحدث إليك وليس المدير العظيم للبيت .

ثم أخذ تحوت نخت غصنا أخضر وأوجع به الفلاح ضربا فى كل جسمه وقبض على حميره ومتاعه وساقها إلى ضيعته وهنا جلس الفلاح يبكى ويتحدث إلى تحوت نخت  :
-         إن صاحب هذه الضيعة سوف يأتى لى بحقى الذى سلبته منى دون وجه حق .
-         لا ترفع صوتك أيها الفلاح .. وإن لم تصمت سيكون مصيرك هو مسكن رب الصمت ..
-         تريد أن تقتلنى ؟!-         سأفعل ذلك إن لم تنصرف من هنا ..
-         إنك تضربنى وتسرق متاعى ، وبعد ذلك تغتصب الشكاية من فمى ؟! يا إلهى  أعد إلىّ ماشيتى حتى أسكت عن الصياح الذى يزعجه .

مكث الفلاح عشرة أيام يتضرع إلى تحوت نخت الذى لم يلتفت إلى شكايته وعلى ذلك سافر الفلاح إلى " ننسو " ليرفع ظلامته إلى المدير العظيم للقصر الفرعونى وحالما وصل ألفاه خارجا من بيته لينزل فى قاربه الخاص فلحق به قائلا :
-         يا سيدى .. أود أن تستمع إلىّ .. وبعدها هل تسمح بأن يأتى خادم حسب اختيارك حتى يحمل إليك الأخبار .
فاستمع إليه ، ثم أرسل خادما حمل إليه التفاصيل ، هنا أقام رنزى تحقيقا ضد تحوت نخت أمام مجلس الكهنة ، فقال أحدهم :
-         قد يكون هذا الرجل أحد فلاحىّ تحوت نخت وتركه وذهب إلى رجل غيره  وإن كان الأمر كذلك فلا توجد قضية حتى يعاقب عليها تحوت نخت ، فهل يُعاقب بسبب مقدار تافه من القمح أو مقدار ضئيل من الملح أو بعض الجلود ، مُره يا سيدى بأن يعطى بدلا منها وسوف يعطى وبذلك تنتهى القضية .

لزم المدير العظيم للقصر الصمت ، كما لزم الكهنة الصمت ..
هنا توجه الفلاح خنوم أنوب إلى المدير العظيم للبيت ليقدم شكواه فقال :
-         يا مدير البيت العظيم ، يا حاكما على كل شئ ، وإذا ذهبت إلى بحر العدل وسحت عليه فى نسيم رخاء ، فإن الهواء لن يمزق قلمك وقاربك لن يتباطأ ولن يحدث لصاريك أى ضرر ولن يغوص قاربك حينما ترسوا على الأرض ولن يحملك التيار بعيدا ولن ترى وجها مرتاعا والسمك القفاز سيأتى إليك وستصل يدك إلى أسمن طائر .. وذلك لأنك أب لليتيم وزروج للأرملة وأخ لتلك التى قد نبذت ومئزر لذلك الذى لا أم له .. دعنى أجعل اسمك فى هذه الأرض يتفق مع كل قانون عادل فتكون حاكما خلوا من الشره وشريفا بعيدا عن الدنايا ومهلكا للكذب مشجعا للعدل ورجلا يلبى نداء المستغيث .. سيدى .. إنى أتكلم ، فهل لك أن تسمع ، أقم العدل أيها الممدوح ، اقضى على فقرى .. انظر .. إنى مثقل بالحمل .. انظر .. إنى فى حيرة .

بعدما انتهى الفلاح من شكواه حملها رنزى إلى الفرعون نيكاورع وقال له :
-         مولاى الفرعون .. لقد عثرت على أحد هؤلاء الفلاحين .. والحقيقة أنه رجل فصيح وقد سُرق متاعه ، لقد حضر لى ليتظلم من أجل ذلك وهذه هى شكوته التى بين يديك يا مولاى .
-          لقد أذهلنى أسلوب هذا الفلاح .. وبقدر ما تحب أن ترانى فى صحة وعافية دعه يمكث هنا .. دعه يتحدث ويشتكى دون أن تجيب عن أى شئ قد يقوله .
-         ولم يا سيدى لا أجيبه ؟
-         لأجل أن تجعله يستمر فى الكلام .. حتى يستمر هو فى الكلام يجب أن تستمر أنت فى الصمت ..
-         فهمت ما تريد يا سيدى ..
-         ومُر بأن يؤتى ذلك مكتوبا حتى نسمعه ولا تنسى أن تمد زوجة هذا الفلاح وأطفاله بالمئونة ، وزيادة على ذلك مُد هذا الفلاح نفسه بالطعام دون أن يعلم أنك الذى أعطيته إياه .

بعدها ذهب الفلاح ليشكو مرة ثانية وهى لا يعلم شيئا عما دبره الفرعون ، ووقف يشكو قائلا :
-         أيها المدير العظيم للبيت ، يا مثقال ميزان الأرض ، يا خيط الميزان الذى يحمل الثقل ولا يتذبذب .. إن السيد العظيم يأخذ فقط مما ليس له صاحب ، الإنسان لا يمكن أن ينفق كل ما كنز لأن ما يحتاجه فى الحياة قليل ، وهو لديه الكفاية وما يزيد على الكفاية مما يجعله قادرا على إطعام كل من حوله ، فالإنسان سيموت مع خدمه .. فهل ستكون رجلا مخلدا ؟!أليس من الخطأ أن يصير الرجل المستقيم معووجا .. تأمل إن العدل يفلت من تحتك ، وذلك لأنه أقصى من مكانه فالحكام يشاغبون والقضاة يتخاطفون ما 
أغتصبته ، وذلك معناه أن الكلام يقلب عن موضعه الصحيح ، وبذلك يسقط مانح نفسه على الأرض ، وذلك الذى يأخذ راحته يجعل الناس يلهثون ..
-         استمع إلىّ أيها الفلاح .. فعندى سؤال ..
-         سله يا سيدى رنزى ..
-   هل تعتقد فى قلبك أن ممتلكاتك أمر أهم من أن يقصيك خادمى ؟ ثم ما هو الأهم بالنسبة إليك المتاع الذى تدعيه أم الضرب بالعصا إذا اسمررت فى شكايتك ؟
-         يا سيدى إن كيال أكوام الغلال يعمل لمصلحة نفسه ، وذلك الذى يجب عليه أن يحاكم بمقتضى القانون يأمر بالسرقة ، فمن ذا الذى يكبح جماح الباطل إذن ؟! وذلك الذى يجب عليه أن يقضى على الفقر يعمل العكس ، وآخر ينال الشهرة بالضرر ، فهل ينطبق عليك شئ من هذه الأوصاف ؟ ! أم أنك أعدل وأحكم ؟! إن الضرر الذى لحق بى يا سيد رنزى كثير وطويل ، وإنصافك لى سيكون قصير ، وأنا لا أطلب إلا أن تصغى إلى شكايتى ولو لمدة قصيرة ، فالعمل الطيب يعود إلى مكانه ثانية والحكمة تقول " عامل الناس كما تحب أن تُعامَل " ليت لحظة خراب تصيبك فتجعل كرمك رأسا على عقب وتفتك بطيورك وتودى بدواجنك المائية التى تشغلك بالصيد عن سماعى فالمبصر قد غشى بصره والمستمع قد صم والحاكم أصبح متمردا . تأمل .. إنك قوى وشديد البأس وإنك نشيط الساعد وقلبك مفترس وقد تخطتك الرحمة ، ما أعظم حزن الرجل الفقير الذى قضيت عليه .. إنك تفوق ربة الوباء سخمت ، فأنت لا تمتلك أية رحمة مثلها يا سيدى إن الذى يملك خبزا يجب أن يكون رحيما ، ولكن المجرم قد يكون قاسيا غليظ القلب .. السرقات .. أمر يفعله من لا متاع له ولكنك قد أمتلأت بخبزك ، والفرعون فى داخل قصره والدفة فى يدك ومع ذلك فإن المشاغبات منتشرة بجوارك ، إن عمل الشاكى طويلا والفصل فيه يسير ببطء ، والناس سوف يسألون عن الرجل الذى قد أبطأ معه المدير العظيم للبيت .. يا سيدى .. كن حاميا حتى يصير شاطئك واضحا .. تأمل .. إن مسكنك قد أصبح موبوءا ، إجعل لسانك يتجه إلى الحق زلا تضل ، فإن لسان الرجل قد يكون سبب تلفه ، إنى أملك مجرى ماء من غير سفينة ، وأنت يا مرشد كل غارق إلى البر نج من غرقت سفينته .. نجنى ..

 
بعدما أنهى الفلاح شكوته الثانية .. انتظر .. ولكن دون جدوى ، فكان أن ذهب  مرة ثالثة ليشكو.. فيقول ..
- أيها المدير العظيم للبيت .. يا سيدى إنك  رع فى صحبة حاشيتك ، أنت إله النيل الذى يحمل المراعى الخضراء ويمد الأرض القاحلة ، اكبح جماح السارق ، دافع عن الفقير ، ولا تكونن فيضانا ضد الشاكى ، و أحذر من قرب الآخرة .. إن إقامة العدل هو نفس الأنف الذى إذا انقطع توقفت الحياة ..  وقع العقاب على من يستحق العقاب ، ولن يكون هناك شىء يماثل استقامتك هل الميزان يتحول ؟ هل يميل لسانه إلى جهه ، إذا كان الأمر كذلك يمكنك أن تعمل ضررا ، سيدى لا تجب على الخير بالشر ، سيدى ما أكثر نمو الكلام من عشب خبيث ..قد الدفة على حسب القلع وصد الفيضان بعيدا على حسب ما يقتضيه العدل  واحترس من أن تصطدم بالشاطىء وإن أصدق وزن للبلاد هو إقامة العدل .. 
( يقصد الفلاح الفصيح بذلك أن يعترف المدير العظيم للقصر الفرعونى بشكاية الفلاح ويحل له المشكلة وإلا فإنه سوف يستمر فى الكلام كالفيضان .. ) ثم يكمل قائلا :
-         لا تكذبن وأنت عظيم ، ولا تكونن خفيفا وأنت رزين ، ولا تقولن كذبا فأنت الميزان ، ولا تنكمش فإنك الاستقامة اعمل ضد المغتصب ، فالعظيم ليس  عظيما ما دام جشعا ، سيدى إن لسانك هو ثقالة الميزان وقلبك هو ما يوزن به          
وشفتاك هما ذراعاه ، فإذا سترت وجهك  أمام الشرس فمن ذا الذى يكبح 
الشر ؟!
( هنا يصل الفلاح الفصيح خنوم أنوب إلى الغضب الشديد ، فينفعل ويصب جام غضبه على المدير العظيم للبيت رنزى بن مرو ..فيصل إلى  جزئية من شكواه الثالثة)  فيقول  .. 
-      تأمل يا سيد رنزى .. إنك رئيس مخابز لا يسمح لمفلس أن يمر وهو  مدين ، إنك صقر لعامة القوم يعيش على أحقر الطيور .. أنت أيها السامع  إنك لا تصغى ولماذا لا تصغى ؟ وما الفائدة التى تعود عليك ؟ لا تتجهز للغد قبل أن يأتى لأنه لا إنسان يعلم المتاعب التى ستكون فيه .
تكلم الفلاح بهذا الكلام إلى المدير العظيم لقصر الفرعون رنزى بن مرو عند  مدخل قاعة المحاكمة ، فأمر حاجبين أن يتعهداه بالسياط .. فأسخناه ضربا فى كل أجزاء جسمه .. فجلس الفلاح يبكى ..) ويقول ..
-         إن ابن مرو لا يزال مستمرا فى غيه ، وإن حواسه قد عميت عما ينظر ، وصمت عما يسمع وانحرفت عما يتلى عليه ، انظر .. إن مثلك كمثل بلد لا كبير له أو جماعة لا رئيس لها أو كسفينة لا ربان لها .. إنظر .. إنك حاكم يسرق وعميد قرية يقبل المال ، ومفتش صقع كان يجب عليه أن يقطع دابر التخريب ولكنه أصبح مثالا للمجرم ..
لم يدب اليأس فى أوصال الفلاح خنوم أنوب ، ورغم تعرضه للضرب إلا أنه ذهب ليشكو للمرة الرابعة ، فوجد رنزى خارجا من معبد أرسافيس .. فقال له :
-         أنت أيها الممدوح .. ليت أرسافيس الذى تخرج من معبده يمدحك .. لقد قضى على الخير وليس له التئام ، انظر .. لا فائدة لمن يقول لك إن الرحمة قد تخطتك فما أعظم حزن الرجل الفقير الذى قد خربته !! إنك صياد يشفى غليله وإنسان منغمس فى إرضاء ملاذه .. واعلم أنه لا يوجد إنسان متسرع فى كلامه لا يخلو من الخطأ  ولا إنسان خفيف القلب يقدر أن يكون حازما فى كبح هواه .. كن صبورا حتى يمكنك أن تصل إلى العدل ..   إن الذى يأكل هو الذى يتذوق والذى يخاطب يجاب والتائم يرى الحلم .. وعلى ذلك فإن القاضى الذى تجب معاقبته فهو نموذج للمجرم .. تأمل أيها الأحمق .. فإنك قد ضربت ، وتأمل أيها المغفل فإنك قد استجوبت .. تأمل أيها المدير العظيم للقصر كلما اجتهدت فى منعى زادت شكايتى .. ولكن .. هل سأقضى 
طول اليوم فى الشكوى ؟!!
 

(  
الشعور بالظلم أمر يجعل صاحبه لا يهدأ ، فلا راحة ولا نوم ولا طعام ، وهذا ما جعل الفلاح الفصيح يذهب ليشكو للمرة الخامسة ، ولكن فى الحقيقة  يجدر بنا أن نشير إلى أن متن البردية فى هذه الشكوى الخامسة غامض جدا غير أننا نستخلص منها أنه يتكلم عن كل أنواع السمك وكلها استعارات  وتشبيهات غامضة يشبه فيها رنزى بصياد السمك .. حتى نصل إلى نهاية هذه الشكوى الخامسة) فيقول ..
- لا تحرمن رجلا رقيق الحال من أملاكه ، وهو رجل ضعيف أنت تعرفه ، فإن أملاك الرجل الفقير بمثابة النفس له ومن يغتصبها يكتم أنفه ، ولقد نٌصبت لتسمع الشكاوى وتفصل بين المتخاصمين وتــكبح جــماح اللــص ، ولكـن تأمل فإن ما تفعله هو انك تعاضد اللص والإنسان يضع ثقته فيك ولكنك أصبحت معتديا.
( ثم يأتى بعدها ليشكو للمرة السادسة ، فيقول :
-         يا سيدى .. إن كل محاكمة حقة تدحض الباطل وتعلو بالصدق وتشجع الحسنة  وتقضى على السيئة ، كالشبع عندما يأتى يقضى على الجوع ، والكساء يقضى على العرى ، وكالسماء تصفو بعد العاصفة الشديدة وتدفىء كل من شعر بالبرد ،  وكالماء الذى يطفىء الظمأ .. لا تكن خاملا بل اهتم بالتهمة ، فإذا قطعت فمن ذا الذى يصل ..   إنك متعلم وانك ماهر وإنك عادل ولكن ليس فى النهب .. فإن مثلك مثل كل بنى الإنسان كل أعمالك ملتوية والبستانى إذا روى حقله بالأعمال الخاطئة يرى المتاعب إلى الأبد

وفى الشكوى السابعة يقول الفلاح الفصيح ..
-         يا سيدى كن صبورا حتى يمكن للإنسان أن يستغيث بك لقضيته العادلة ولا  تجعلن قلبك جموحا فذلك لا يليق بك ، ولا تفكر فيما لم يأتى ولا تفرح بما لم يحدث بعد .. اقضى على الأمر الذى مضى ولنبدأ من البداية والإنسان لا يعلم ما فى القلب ..    إن منتهك حرمة القانون وخارق المتبع من الأمور لا يستطيع رجل فقير أن  يقاوم نهبه إذا لم تقاومه العدالة .. حقا إن جوفى لملأن وقلبى لمفعم ، وقد طفح من جوفى تقرير عن تلك الحالة ، فقد انفتح فمى للكلام .. والأن قد انتهى خطابى .. ولكن ..ولكن اعلم يا سيد رنزى أن خمولك سيضل بك وشراهتك ستغشك وعدم اكتراثك سيولد لك أعداء ، ولكن هل يمكنك أن تجد فلاحا آخر  مثلى ، وهل الشاكى يقف على باب بيت الخامل ؟ فأنت لم تنطق صامت ولم توقظ نائم ولا نشطت مكتئب ولا علمت جاهل .. 
( ويظل الفلاح هكذا شاكيا باكيا ولا يجيبه أحد ، فيأتى للشكوى الثامنة قائلا :
-         يا سيدى .. إن الرجل الجشع ينجح فى الخبيثة فقط وأنت جشع وذلك لا ينسجم  معك ، إنك تسرق وذلك لا يفيدك ، إن ما يقيم أودك فى بيتك وجوفك قد ملىء ومكيال القمح قد طفح وإذا اهتز فإن الفائض منه يبعثر على الأرض ..    آه .. أنت يا من يجب عليه أن يقبض على اللص ويا من يبعد الحكام وقد نصبوا ليدرءوا السوء وهم حمى الساخط ، والحكام قد نصبوا ليكبحوا الكذب 
ليس الخوف منك هو الذى يجعلنى أشكو إليك ، إنك لا تبصر ما فى قلبى ..
إنك تملك حقلك فى الريف وأرضك فى ضياع الملك وخبزك فى المخبز والحكام يعطونك ومع ذلك تغتصب !! هل أنت لص ؟ هل تأخذ معك جنودا لتساعدك على السرقة عندما تقسم قطع الأراضى ؟ أقم العدل لرب العدل .. وأنت يا أيها القلم .. وأنت يا أيتها البردية ويا أيتها الدواة ويا تحوت ابتعدوا عن السوء .. عندما يكون الحسن حسنا فالأمر إذن حسن غير أن العدل سيكون إلى الأبد ويذهب من يعمله إلى الجبانة ، وسيدفن وتطويه الأرض ، أما اسمه فلن يمحى من الأرض ، بل سيذكر للخير .. إذا حضرت أو حضر غيرى فخاطبه ولا تجيبن كإنسان يخاطب رجلا صامتا أو كإنسان يهاجم من لا يمكنه أن يهاجم ، يا سيدى لا يجوز أن يتواجد الظلم مع القانون .
 فى
الشكوى التاسعة والختام حيث يقول الفلاح الفصيح ..
- يا سيدى إن ميزان الناس ليس إلا ميزانهم ، يا سيدى وقع العقاب على من  يستحق لا تكونن ثقيلا يا من لست خفيفا ، ولا تسترن وجهك من إنسان تعرفه ولا  ترد إنسان يشكو إليك ، وافعل الخير لمن يفعله لك ، والخامل لا أمس له ولا ذكرى حسنه والأصم عن العدل لا رفيق له ..تأمل .. إنى أشكو إليك وأنت لا تسمع شكواى  فسوف أذهب وأشكو منك إلى أنوبيس ..

هنا ينهى الفلاح شكواه متأثرا غاية التأثر وترك المكان وذهب فأمر المدير العظيم للقصر الفرعونى رنزى بن مرو الذى أمر اثنين من الحجاب ليذهبا  ويحضر اخنوم أنوب ، الذى خاف ظنا منه أنه سوف يعاقب على الخطبة التى فاه بها وعندما وصل قال :
- مثل اقتراب الظمآن من الماء ووصول الشفة التى تتحرق إلى اللبن كمثل الموت الذى يتاق لرؤيته ..
( هنا يتحدث  رنزى إلى الفلاح الفصيح ويدور بينهما الحوار التالى ..
-         لا تخف أيها الرجل الطيب .. وجهز نفسك على أن تسكن معى ..
-         هل .. هل سأعيش ؟
-         نعم .. ستعيش وفى أحسن حال .. ولكن انتظر حتى تسمع شكايتك ..
وهنا أمر رنزى بقراءة جميع شكاوى الفلاح من ملف البردى ، وبعدها أمر  بإرسالها للفرعون نيكاورع الذى سٌر بها أكثر من أى شىء ، وترك الفرعون لرنزى  القضاء فى أمر الفلاح الفصيح .. فأمر رنزى اثنين من الحجاب ليحضرا تحوت نخت ناهب أملاك الفلاح و أحصيت كل أملاكه وأعطيت للفلاح لتكون ملكا له يعيش فيها هو وأسرته إلى جوار كبار رجال الدولة ، وهنا تنتهى قصة الفلاح الفصيح والتى حملتها لنا أوراق البردى الفرعونية حتى اليوم ..               
      
*             *            
 
                 رضا سليمان
Admin · شوهد 40 مرة · وضع تعليق

رابطة دائمة توجه نحو المقالة بأكملها

http://brdy.0-up.com/Aaa-aIaaE-b1/CaYaCI-CaYOiI-b1-p4.htm

التعاليق

هذه المقالة لا تتوفر على تعليق لحد الآن...


وضع تعليق

مرتبة التعاليق الجديدة: تم نشره





سيتم اظهار رابطك (Url)

 
المرجوا أن تُدخل الرمز الموجود في الصور


نص التعليق

خيارات
   (حفظ الإسم, البريد الإلكتروني و الرابط في الكوكيز.)